توقعات الدولار والجنيه خلال الفترة القادمة

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن سعر صرف الدولار مقابل الجنيه المصري، ويتساءل البعض عن منحنى سعر الدولار صعودا أو هبوطا، أو عرضيا، بل وصل الحديث عن وجود بعض التكهنات باتجاه الدولار صوب قيم مبالغة، مثل 18 أو ربما 19 أو 20 جنيها، أي ما يزيد عن 23% من متوسط السعر الحالي للدولار مقابل الجنيه في 18 يونيو 2020.

قبل الَخوض في توقعات سعر صرف الدولار المستقبلية على المدى القصير والمتوسط، لا بد من الرجوع بالتاريخ قليلا إلى الفترة بداية من 3 نوفمبر 2016 “تاريخ تحرير سعر الصرف”، حيث ارتفع متوسط سعر الدولار بنهاية 2016 بنسبة 24.73% مسجلا 18.26 جنيه، ثم انخفض ليسجل 17.73 جنيه، و17.91 جنيه و16.04 جنيه بنهاية 2017 و2018 و2019 على الترتيب.

بالإشارة إلى الرسم البياني الموضح أدناه، نلاحظ انخفاض متوسط سعر صرف الدولار مقابل الجنيه على الأساس السنوي ليسجل نسبة انخفاض بلغت 2.95-% بنهاية ديسمبر 2017، ثم سجل ارتفاعا قليلا بلغ 1.05% بنهاية 2018، ثم سجل انخفاضا ملحوظا بقيمة 10.45-% بنهاية ديسمبر 2019.

ويأتي هذا الانخفاض الملحوظ في سعر صرف الدولار مقابل الجنيه؛ نظرا لزيادة الثقة في الاقتصاد المصري، وتقدم مؤشرات مصر المالية كمردود إيجابي لبرنامج الإصلاح الاقتصادي، الذي انتهجته مصر بدعم من القيادة السياسية، ونفذته ببراعة أجهزة الدولة، ولا سيما البنك المركزي الذي يقوم بدور بارز في إدارة مختلف الملفات الاقتصادية، وعلى رأسها سعر الصرف، والسياسة النقدية؛ مما انعكس إيجابيا في زيادة تدفقات العملة الأجنبية، وإقبال المستثمرين الأجانب على شراء أدوات الدين الحكومي من أذون وسندات الخزانة، بالإضافة إلى الأداء الإيجابي لقطاع السياحة، وزيادة إيرادات قناة السويس، وتحويلات المصريين بالخارج، وارتفاع حصيلة الصادرات المصرية؛ مما أسهم في زيادة الاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية إلى مستويات تاريخية تخطط حاجز 45 مليار دولار.

كما تجدر الإشارة إلى تسجيل الجنيه المصري المركز الثاني كأفضل العملات أداءً أمام الدولار على مستوى العالم لعام 2019، والذي يعد الأداء الأفضل للجنيه منذ أكثر من 20 عاما.

استكمالا لما سبق، فكانت الكثير من التوقعات -خلال 2019 وقبل جائحة كورونا- تشير إلى استمرار تراجع الدولار أمام الجنيه خلال عام 2020، بل كانت بعض التقديرات تتوقع أن ينخفض الدولار، ويكسر حاجز 15 جنيها صوب 14 جنيها مدعومة بالأداء القوى للاقتصاد، وانعكاسها على جميع مؤشرات الاقتصاد الكلي، مثل معدلات نمو إجمالي الناتج المحلي التي تخطت 5% في 2019، وكانت التوقعات آنذاك تنبئ باستمرار معدلات النمو، لتتخطى 6% في 2020، بالإضافة إلى تسجيل معدل التضخم الأساسي السنوي 6.8% بنهاية ديسمبر 2019 وتسجيل معدلات بطالة بلغت 8% في نفس الفترة.

ماذا حدث للاقتصاد المصري منذ بداية 2020؟

ما العوامل الداخلية المؤثرة؟

لماذا يتكهن البعض بارتفاع ملحوظ لسعر الدولار مقابل الجنيه؟

في الحقيقة، لا أجد أيا من الأسباب الداخلية التي تخصّ الاقتصاد المصري، أو الشأن الداخلي لمصر تحديدا عن سواه، فجميع المتغيرات هي أحداث جوهرية عالمية تتلخص في جائحة كورونا، التي أثرت على العالم أجمع والاقتصاد المصري، شأنه كباقي اقتصادات الدول الأخرى ليس بمعزل عن الاقتصاد العالمي، وكما أشرنا في أحد المقالات السابقة إلى انخفاض موارد مصر من العملة الأجنبية المتمثلة في السياحة، وتحويلات المصريين بالخارج، وإيرادات قناة السويس، لكن على نفس المنوال نجد انخفاض المدفوعات وحركة الواردات، ففي هذا الشأن نجد انخفاض العجز في الميزان التجاري المصري خلال مارس 2020 -وفقا لأحدث البيانات المنشورة- بمقدار 38.6%، حيث سجلت قيمة العجز 2.69 مليار دولار مقابل 4.38 مليار دولار لنفس الشهر من عام 2019، فعلينا أن ندرك أن الاقتصاد العالمي أصابه الجمود خلال النصف الأول من العام الحالي، وعندما تلوح في الأفق بوادر انحصار جائحة كورونا يكون هو الوقت ذاته لاستكمال صعود الاقتصاد المصري نحو مستهدفاته.

وما يعزز ما سبق هو البيانات الحديثة الصادرة عن صندوق النقد الدولي، الذي يتوقع أن تحقق 18 دولة معدلات نمو فقط خلال 2020، من بينها مصر التي ستكون الدولة الوحيدة التي ستحقق معدل نمو في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بعد انتهاء وتلاشي جائحة كورونا، وذلك بالتزامن مع إعلان مؤسسة “ستاندرد آند بورز” للتصنيف الائتماني، وتثبيت درجة التصنيف السيادي للاقتصاد المصري عند مستوى B/B، على المدى الطويل الأجل والقصير الأجل مع البقاء على النظرة المستقبلية للاقتصاد المصري المستقرة.

في ظل أساليب إدارة سعر الصرف في الوقت الحالي، وهو نظام التعويم بالكامل، نجد أن ارتفاع أو انخفاض أسعار الصرف من العملات الأجنبية مقابل الجنيه تحدده آليات العرض والطلب، لكن في ظل المتغيرات السريعة الحالية يجب الانتباه لسعر الدولار عالميا، بالإضافة إلى الشأن المحلي، وذلك على النحو التالي:

عالميا:

على المدى القصير:

توجهات الفيدرالي الأمريكي تجاه خفض الفائدة أو وصولها إلى صفر، وكذلك الحال للكثير من البنوك المركزية الأوروبية، بالإضافة إلى توتر العلاقات التجارية الأمريكية- الصينية، وتذبذب الاقتصاد الأوروبي؛ بسبب الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي، وخفض حركة التجارة العالمية وتوقعات بانكماش الاقتصاد العالمي.

على المدى المتوسط:

قيام الصين باستبدال الدولار الأمريكي بعملتها المحلية اليوان في كافة المعاملات الخاصة بالصادرات الصينية. وتجدر الإشارة إلى استحواذ الصين على 12.4% من حركة التجارة العالمية، و15.8% من حجم الاقتصاد العالمي، و39% من مدخلات الإنتاج الصناعي في العالم.

قرب الانتهاء من بمشروع أنابيب غاز “نورد ستريم2 ” والذي سيمدّ أوروبا بالغاز الروسي عن طريق ألمانيا، والمتوقع إتمامه بالنصف الثاني من 2020 بعد أن تأخر عن جدوله الزمني؛ بسبب جائحة كورونا والتهديديات بعقوبات أمريكية، حيث من المتوقع استبعاد الدولار الأمريكي من تلك المعاملات والمدفوعات الخاصة بتدفقات الغاز بين روسيا وأوروبا.

نستنتج مما سبق احتمالية انخفاض سعر الدولار عالميا.

محليا:

استهل الدولار عام 2020 باستمرار انخفاضه أمام الجنيه بواقع 1.46-% على الأساس الشهري ليسجل متوسط سعر 15.81 جنيه بنهاية يناير 2020، مقابل 16.04 بنهاية ديسمبر 2019، واستمر الانخفاض بنهاية فبراير بواقع 1.21-% ليسجل 15.62 جنيه، وبنهاية مارس سجل الدولار ارتفاعا طفيفا بواقع 0.88% ليسجل 15.75 جنيه، ثم استقر دون تغيير بنهاية أبريل، وبدأ في الصعود بنسب طفيفة بلغت 0.88% بنهاية مايو ليسجل 15.89 جنيه، ثم ارتفع بنسبة بلغت 1.84% حتى 18 يونيو مسجلا 16.18 جنيه.

تجدر الإشارة إلى أن الارتفاعات الطفيفة سابق ذكرها ما هي إلا تبعات طبيعية لجائحة كورونا وتأثيرها السلبي على قطاع السياحة وقناة السويس، وتحويلات المصريين بالخارج، إلى جانب قيام بعض المستثمرين الأجانب وصناديق الاستثمار بالخروج من السوق لاقتناص الفرص، وفتح مراكز جديدة بأسعار منخفضة في الأسواق الأجنبية، مما استدعى البنوك العاملة بمصر إلى الوفاء بهذه الالتزامات؛ وأدى إلى انخفاض أرصدة واحتياطيات البنوك المصرية في الخارج بنهاية مارس بقيمة تخطت 10 مليارات دولار. لكن سرعان ما تعافت الأمور، لتقفز أرصدة واحتياطيات البنوك المصرية في الخارج بنسبة 63%، لتسجل 16.6 مليار دولار مطلع يونيو الجاري، مقابل 10.2 مليار دولار في أبريل المنصرم، مما يؤكد الإدارة الرشيدة للبنك المركزي، وحُسن إدارته لأزمة كورونا والتدابير الاستباقية، التي اتخذها في إدارة سعر الصرف، ومنها توجيهات المركزي بخفض الفائدة على الودائع الدولارية إلى 1% فوق سعر ليبور كحد أقصى بدلاً من 1.5%، وذلك بالتزامن مع تخفيض الفائدة على العملة المحلية بواقع 3% دفعة واحدة فوق سعر الكوريدور في مارس الماضي؛ مما أسهم في تحمّل الجنيه للصدمة الأولى لجائحة كورونا، وتعزيز قيمته وجاذبيته للاستثمارات الأجنبية.

* متوسط سعر صرف الدولار وفقا لبيانات البنك المركزي المصري

في ظل معدلات الفائدة المنخفضة أو الصفرية في بعض الدول الأوروبية وأمريكا، فمن المحتمل أن تشهد الفترة القادمة تخارج المستثمرين الأجانب من أدوات الدين في تلك الدول وتدفقها إلى مصر، التي لا تزال تقدم عائدا أكبر مقارنة بالأسواق الناشئة.

التأثير الإيجابي لانخفاض سعر البترول العالمي من 70 دولارا حتى بلغ 23 دولارا للبرميل سيسهم في خفض عجز الموازنة، وتحقيق توزان نسبي بعد تراجع الموارد الدولارية، بالإضافة إلى انخفاض الطلب على الدولار؛ بسبب قلة الاستيراد وتوقف حركة السفر، وإلغاء رحلات العمرة، وللأسف توجد بعض التصريحات للمسؤولين السعوديين عن احتمالية إلغاء مناسك الحج لهذا العام.

على الرغم من تراجع الاحتياطي النقدي بوتيرة مرتفعة بنهاية مارس المنصرم بمقدار 5 مليارات دولار ليسجل 40 مليار دولار، إلا أنه تراجعت حدة وتيرة الانخفاضات اللاحقة في أبريل ومايو من العام الجاري بمقدار 3 مليارات دولار و1 مليار دولار علي التوالي، ليسجل الاحتياطي النقدي 37 مليار دولار، و36 مليار دولار بنهاية أبريل ومايو على الترتيب، مقارنة بالقيمة التاريخية التي تخطت 45 مليار دولار بنهاية ديسمبر2019، إلا أنه ما زال في الحدود الآمنة، ويكفي احتياجات مصر لأكثر من 7 أشهر، حيث إن مجموع تلك الانخفاضات بقيمة 9 مليارات دولار تمثل فاتورة جائحة كورونا التي تحملها الاقتصاد المصري، وتلك الفاتورة تتمثل في تغطية احتياجات السوق المصرية من العملات الأجنبية لضمان استيراد السلع الاستراتيجية، وسداد الالتزامات الخاصة بالدين الخارجي للدولة، وكذلك خروج بعض المستثمرين الأجانب، وبعض صناديق الاستثمار.

وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى قيام البنك المركزي بتعزيز مكتسبات برنامج الإصلاح الاقتصادي، حيث قدم صندوق النقد الدولي دعما طارئا لمصر بلغ 2.77 مليار دولار في إطار أداة التمويل السريع، بهدف الحد من انخفاض الاحتياطي النقدي، وتوفير التمويل اللازم في الميزانية لتغطية الإنفاق الموجَّه لاحتواء الآثار السلبية لتلك الجائحة.

علاوة على ما سبق، يدرس المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي في الوقت الراهن منح مصر تقريبا 5.2 مليار دولار من خلال برنامج اتفاق الاستعداد الائتماني، مما سيسهم من تعزيز أرصدة الاحتياطي النقدي، ومواجهة أي صعوبات اقتصادية متوقعة، وحماية القطاعات الأكثر عُرضة لأضرار جائحة كورونا.

الختام:

قد بادرت أجهزة الدولة سريعا بالتصدي لجائحة كورونا من خلال حزمة شاملة من الإجراءات العاجلة والاستباقية، وتخصيص مبلغ 100 مليار جنيه بهدف الدعم الطارئ لكافة مناحي الحياة، وخاصة الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية والأنشطة الاقتصادية، مما تتطلب توجيه جزء كبير من تلك الأموال إلى العملة الأجنبية؛ لاستيراد العديد من مستلزمات مواجهة تلك الجائحة، مما أدى لانخفاض الاحتياطي النقدي كما سبق وأشرنا. وأيضا لعِب البنك المركزي دورا بارزا كسابق عهده، وقدم مجموعة واسعة من الإجراءات كما ذكرتُ من قبلُ، متضمنةً تخفيض سعر الفائدة الأساسي، وتأجيل مدفوعات السداد المتعلقة بالتسهيلات الائتمانية القائمة، ومبادرات عدة للقطاع السياحي والصناعي والزراعي، وأيضا القطاع الاستهلاكي.

نتمنى من الله -عز وجل- الانتهاء من تلك الغُمة سريعا، والعودة لممارسة حياتنا الطبيعية التي منحنا إياها الخالق الكريم، وأدركنا قيمتها في ظل انشغالنا بأمور الحياة، ونامل بدء تعافي الأوضاع الاقتصادية بحلول أغسطس القادم، حيث ما لمسناه من قيود منذ مطلع 2020 سيؤدي بالضرورة إلى تغيير سلوك الأفراد بصفة عامة، ويدفعهم لتعويض تلك الفترات العصيبة بالسفر والترفيه، فأتوقع بدء تعافي قطاع السياحة عالميا ومحليا في الربع الأخير من العام الحالي، حيث سيقود قطاع السياحة باقي القطاعات الأخرى، ويعيد حركة السفر والطيران إلى سابق عهدها، وإني على ثقة من رؤية أجهزة الدولة لتلك الأمور، فقطاعا السياحة والتصدير يقع على عاتقهما الكثير من الآمال في الفترة القادمة.

أخيرا، في ضوء ما سبق، أتوقع استقرار سعر صرف الدولار مقابل الجنيه في الفترة المقبلة، حتي وإن صاحبت بعض الارتفاعات الطفيفة والمؤقتة والطبيعية، إلا أنني أتوقع بدء الانخفاض مطلع العام القادم، أو بحلول الربع الأول من عام 2021 على أقصى تقدير، وذلك رؤية شخصية قد تصيب أو تخطئ، لكن علينا أن ندرك دائما أن كل ما سبق أو ما يتناوله المتخصصون أو الباحثون يكون من المنظور الاقتصادي، لكننا عادة لا نتطرق إلى التهديدات السياسية المحيطة، سواء في شمال المتوسط، أو غربا في ليبيا، أو جنوبا تجاه السودان واثيوبيا، أو في الشمال الشرقي في سيناء الحبيبية، فكل تلك التهديدات ليست وليدة اللحظة، بل هي ممتدة منذ تقريبا عشرة أعوام، وعلي الرغم من ذلك نجحت أجهزة الدولة والقيادة السياسية في اجتياز الصعاب، وانتشال الاقتصاد المصري من حافة الهاوية؛ بل والدفع به جليا إلي مراكز متقدمة مصحوبا بمؤشرات كلية أكثر من رائعة، واستقرارا لسعر الصرف، وذلك بشهادة كبرى المؤسسات الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، كما ذكرت سابقا، حيث إن مصر هي من ضمن 18 دولة على مستوى العالم والوحيدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي متوقع لها تحقيق معدلات نمو إيجابية.

بقلم الدكتور/ أحمد مجدي منصور

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

eXTReMe Tracker